تاريخ المرأة العربية القوية: ملكات حكمْنَ وصنعن التاريخ
لم تكن المرأة العربية في التاريخ مجرد زوجة للحاكم أو شخصية تقف خلف العرش. فمن شمال الجزيرة العربية إلى اليمن، مرورًا بالمجتمعات النبطية والتنوخية، عرف التاريخ العربي نساءً حملن السلطة، وأدرن شؤون قومهن، وخضن الحروب، وتفاوضن مع الإمبراطوريات الكبرى.
ومن أبرزهن زبيبة، وهي ملكة عربية قيدارية من شمال الجزيرة العربية، في منطقة دومة الجندل وما حولها. ظهرت في السجلات الآشورية بوصفها ملكة للعرب، وكانت صاحبة سلطة سياسية على قومها في القرن الثامن قبل الميلاد.
ثم جاءت شمسي، وهي أيضًا عربية قيدارية من شمال الجزيرة العربية. لم تكتفِ بالحكم، بل قادت قومها في مواجهة الإمبراطورية الآشورية، ثم دخلت في مفاوضات معها. إنها صورة مبكرة للملكة العربية التي تجمع بين القيادة العسكرية والحنكة السياسية.
وتظهر كذلك يَتيعة وأبكلّاتو، وهما من الملكات العربيات المذكورات في السجلات الآشورية، وكلتاهما ارتبطت بالمجتمعات العربية في شمال الجزيرة العربية. ورغم أن التفاصيل المتوفرة عن حياتهما أقل من شمسي، فإن مجرد ظهورهما كحاكمتين يؤكد حضور المرأة العربية في السلطة السياسية منذ عصور موغلة في القدم.
أما تِئلخونو، فهي ملكة عربية قيدارية من شمال الجزيرة العربية، وارتبط اسمها بدومة الجندل. لم تكن شخصية سياسية فحسب، بل ارتبطت أيضًا بالمؤسسة الدينية، وظهر اسمها في سجلات الصراع بين العرب والآشوريين.
وتنضم إليها تبؤة وأديّة، وهما كذلك من ملكات العرب في شمال الجزيرة العربية اللاتي حفظت السجلات الآشورية أسماءهن. وهكذا نجد سلسلة كاملة من النساء العربيات اللواتي حملن السلطة الملكية عبر أجيال، لا مجرد حالة استثنائية واحدة.
ثم نصل إلى الملكات النبطيات. فالأنباط شعب عربي قامت مملكته في البتراء وشمال غرب الجزيرة العربية وامتدت إلى جنوب بلاد الشام. ومن أشهر ملكاتهم شقيلات الأولى، التي ظهرت على العملات النبطية إلى جانب الملك أريتاس الرابع، ثم شقيلات الثانية التي شاركت في الحكم وأصبحت لاحقًا وصية على ابنها.
وهنا تظهر صورة أخرى لقوة المرأة العربية: لم تكن قوتها مقتصرة على الحرب، بل ظهرت أيضًا في الحكم والاقتصاد والملكية والتمثيل الرسمي للدولة.
وفي القرن الرابع الميلادي تظهر ماوية، وهي ملكة عربية تنوخية من شمال الجزيرة العربية امتد نفوذ قومها إلى بلاد الشام. اشتهرت بقيادة تمرد عسكري ضد الإمبراطورية الرومانية، وتمكنت قواتها من تحقيق انتصارات واسعة، حتى اضطر الرومان إلى التفاوض معها. ماوية ليست مجرد ملكة تحمل لقبًا؛ إنها قائدة عسكرية عربية واجهت إحدى أعظم إمبراطوريات عصرها.
أما في جنوب الجزيرة العربية، فتبرز الملكات اليمنيات. ومن أبرزهن أسماء بنت شهاب الصليحية، وهي عربية يمنية من اليمن، عُرفت بنفوذها ومشاركتها في إدارة الدولة الصليحية.
ثم تأتي أروى بنت أحمد الصليحية، وهي من أقوى الأمثلة على المرأة العربية الحاكمة. كانت عربية يمنية من اليمن، وحكمت الدولة الصليحية لعقود، وأدارت شؤون الدولة بنفسها، ونقلت مركز الحكم إلى ذي جبلة، وتمتعت بنفوذ سياسي وديني كبير.
وتنضم إليهما بلقيس، ملكة سبأ، وهي أشهر ملكة ارتبطت بتاريخ اليمن القديم في التراث العربي. تُنسب إلى مملكة سبأ في اليمن القديم، وقد أصبحت رمزًا للملكة العربية الحكيمة والقوية، التي تمتلك دولة وثروة وجيشًا وقدرة على اتخاذ القرار. وتروي المصادر الدينية قصة لقائها بالنبي سليمان، وما أظهرته من حكمة وتدبر قبل اتخاذ قرارها.هذه الأسماء ترسم صورة مختلفة تمامًا للمرأة العربية عبر التاريخ.
زبيبة، شمسي، يَتيعة، أبكلّاتو، تِئلخونو، تبؤة، أديّة، شقيلات الأولى، شقيلات الثانية، ماوية، أسماء الصليحية، أروى الصليحية، وبلقيس ملكة سبأ؛ نساء من شمال الجزيرة العربية واليمن ومحيطهما، حملن السلطة في عصور مختلفة، وواجهن الحروب، وأدرن الممالك، وتعاملن مع الإمبراطوريات، وشاركن في صناعة القرار.
فالمرأة العربية عرفت طريقها إلى العرش قبل قرون طويلة.
كانت ملكة، وقائدة، ودبلوماسية، وحاكمة، وصاحبة نفوذ.
ومن قيدار في شمال الجزيرة العربية إلى اليمن في الجنوب، يثبت التاريخ أن القوة لم تكن حكرًا على الرجال.
فالمرأة العربية القوية ليست صورة مستوردة من العصر الحديث؛ لها جذور عميقة في تاريخ الجزيرة العربية نفسها.