وصلنا البلاغ كغيره من البلاغات، ولم نكن نعلم أن خلف ذلك الباب حكاية ستبقى عالقه في القلب طويلا
وصلنا إلى المنزل
كان البيت صامتاً بشكلٍ مؤلم، وكأن الصمت فيه لم يكن مجرد غياب للأصوات، بل كان حكاية أعوام طويلة من الوحدة.
الجدران قديمة ومتهالكة، والغبار يكسو المكان، والتراب يتسلل إلى كل زاوية. حتى السيارات الواقفة أمام المنزل كانت قد غطتها الرمال، وكأن الزمن توقف هناك منذ سنوات، ولم يعد أحد يمر ليسأل : *كيف حال من يسكن هذا البيت؟*
وقفت أمام ذلك المشهد، وشعرت أنني لا أنظر إلى منزلٍ قديم فقط.
كنت أنظر إلى عمر إنسانةٍ كاملة
ستة وتسعون عاماً...
عمرٌ يكفي لأن ترى الدنيا تتغير مرات ومرات، وترى وجوهاً كثيرة تدخل حياتك ثم تغيب، وتشهد رحيل الأحبة، وتكبر البيوت من حولك ثم تهدم، بينما يبقى الإنسان في النهاية وحيداً مع ذاكرته.
كانت في ذلك العمر الذي يصبح فيه الماضي أقرب من الحاضر، وتصبح الذكريات أوضح من وجوه الناس.
تأملت البيت، وتساءلت في داخلي
كم مرةً جلست هذه المرأة خلف هذه الجدران تنتظر أحداً؟
كم مرةً سمعت صوت سيارة أمام منزلها، وظنت أن أحد أبنائها أو أحفادها جاء ليطمئن عليها؟
كم مرةً أعدّت كوباً من الشاي لشخصٍ لم يأتِ؟
وكم ليلةٍ مرت عليها وهي تسمع صمت البيت، ولا تجد من يقول لها:
*"تصبحين على خير يا أمي."*
كانت الرمال قد غطت السيارات
لكنني شعرت أن هناك شيئاً آخر غطته الرمال أيضاً.
غطت تفاصيل حياه كاملة.
صوراً ربما ما زالت معلقة على الجدران، وأسماءً ما زالت تسكن الذاكرة، وأصوات أطفال كانوا يوماً يملؤون المكان ضحكاً، وأبواباً كانت تُفتح للضيوف، ومائدةً كانت تجتمع حولها عائلة كاملة.
ثم كبر الجميع...
وتغيرت الأيام...
ورحل من رحل...
وانشغل من انشغل...
وبقيت هي.
بقيت في بيتها، تحمل من العمر ستة وتسعين عاماً، وتحمل معها آلاف الحكايات التي ربما لم يعد هناك من يسأل عنها.
في تلك اللحظة، لم أشعر بالحزن على قدم البيت فقط.
شعرت بالحزن على قِدم الوحدة
فالبيت يمكن أن يُرمم، والجدار يمكن أن يُبنى من جديد، والسيارة يمكن أن تُنظف من الرمال...
لكن من يعيد للإنسان دفء الأيام التي رحلت؟
ومن يعوضه عن حضنٍ غاب؟
ومن يعيد أصوات الأحبة الذين أصبحوا مجرد ذكريات؟
خرجنا من المكان واخذناها للمستشفى ، لكن المشهد لم يخرج من رأسي.
ظل ذلك البيت يلاحقني
ذلك الباب القديم، وتلك الجدران المتعبة، وتلك السيارات التي دفنتها الرمال، وتلك المرأة التي وصلت إلى السادسة والتسعين، وكأن الحياة كلها اختصرت نفسها أمامي في مشهدٍ واحد.
تعلمت يومها أن بعض البلاغات لا تنتهي بمجرد مغادرة المكان.
هناك بلاغات تنتهي في الأوراق، لكنها تبدأ في القلب.
وهناك بيوت لا تحتاج إلى إصلاح جدرانها بقدر ما تحتاج إلى **قلب يطرق بابها**.
ربما لم تكن تلك المرأة بحاجة إلى الكثير..
ربما كانت تحتاج فقط إلى شخصٍ يجلس بجانبها، يسمع حديثها، يمسك يدها، ويسألها بصدق:
"يمّه... شلونج؟ تحتاجين شيء؟"
فكم من كبيرٍ في السن لا يحتاج منا مالاً ولا شيئاً عظيماً.
يحتاج فقط ألا يشعر بأنه : نسيه الجميع
وفي طريق عودتي، بقي سؤال واحد يؤلمني:
كيف يمكن الإنسان أن يصل إلى ستة وتسعين عاماً، ثم يجد نفسه وحيداً في بيت تغطيه الرمال؟
لا أدري من الذي كان أكثر وحدةً في ذلك اليوم...
هل كانت تلك العجوز؟
أم ذلك البيت الذي ظل واقفاً ينتظر أهله؟
لكنني أعلم شيئاً واحداً..
أنني منذ ذلك اليوم، كلما رأيت بيتاً قديماً، لا أراه مجرد جدران.
أفكر بمن يسكنه...
الحكايات التي خلف أبوابه...
والأم التي قد تجلس خلف نافذته تنتظر أبناءها...
بالأب الذي قد ينام وفي قلبه أسماء لم تعد تسأل عنه...
وأتذكر دائماً أن العمر حين يصل إلى آخر محطاته، لا يحتاج الإنسان إلى كثير من الأشياء... يحتاج إلى ألا يكون وحيداً.
رحم الله من فقدناهم، وحفظ كبار السن بيننا، وألهم أبناءهم برّهم والوقوف إلى جانبهم.
فبعض الأبواب حين نطرقها متأخرين...
لا نجد خلفها مجرد إنسانٍ كبير في السن.
نجد عمراً كاملاً كان ينتظر أن يتذكره أحد.
ربما نحن الآن نعيش أياماً ستصبح بعد سنوات أجمل ذكرياتنا...
فلا تجعلوا خلافاتكم الصغيرة تسرق منكم عمراً كاملاً.
الدنيا أقصر من أن نحمل فيها كل هذا الغضب...
وأقصر من أن نخسر بعضنا من أجل أشياء لا تستحق.
فيوماً ما... سنصل إلى ذلك العمر.
وسيهدأ كل شيء...
وسنكتشف أن أغلى ما كان لدينا لم يكن المال، ولا الممتلكات، ولا الانتصار في الخصومات...
بل الأشخاص الذين كانوا حولنا، ولم نعرف قيمتهم إلا بعد أن أصبح البيت هادئاً... جداً.